انتقل إلى المحتوى
كمي مكارم

الصحة النفسية

عالق في رأسك: فهم الإفراط في التفكير وكيف تكسر الحلقة

نُشر في

عالق في رأسك: فهم الإفراط في التفكير وكيف تكسر الحلقة

الوقت متأخر، والبيت هادئ، أما عقلك فبعيد كل البعد عن الهدوء. تعيد في ذهنك محادثة جرت في وقت سابق، وتتساءل إن كنت قد قلت شيئًا خاطئًا. ثم تقفز أفكارك إلى الأسبوع القادم، ثم إلى كل الطرق التي قد تسوء فيها الأمور. تمرّ ساعة دون أن يُحلّ شيء، وكل ما في الأمر أنك صرت أكثر تعبًا وقلقًا.

ما الإفراط في التفكير؟

الإفراط في التفكير هو الوقوع في حلقات تفكير متكررة وغير مثمرة. ويصف علماء النفس عادةً شكلين رئيسيين له:

  1. الاجترار: الانشغال بالماضي، بالأخطاء أو المشكلات أو المشاعر المؤلمة، وكثيرًا ما يكون بأسئلة مثل "لماذا حدث هذا؟" أو "لماذا أنا هكذا؟"
  2. القلق: التركيز على المستقبل وتخيّل ما قد يسوء، وكثيرًا ما يكون بأسئلة مثل "ماذا لو...؟"

ويشترك الشكلان في النمط نفسه: يدور العقل حول المشكلة مرة بعد أخرى دون أن يتقدم نحو حل.

التفكير أم الإفراط فيه؟

التأمل في المشكلات أمر صحي ومفيد، والفرق يكمن في المكان الذي يقودك إليه التفكير. حل المشكلات مركّز، ويتجه نحو الفعل، وينتهي في النهاية. أما الإفراط في التفكير فيكرر الأسئلة نفسها، ويعلق عند ما لا يمكن تغييره أو معرفته، ويتركك تشعر بسوء أكبر لا بوضوح أكبر.

سؤال مفيد تطرحه على نفسك: "هل يساعدني هذا التفكير على اتخاذ خطوة تالية، أم أنني أدور في حلقة مفرغة؟"

رجل متأمل يجلس على السرير واضعًا يده تحت ذقنه

يبدو الإفراط في التفكير مثمرًا، لكنه نادرًا ما يقود إلى إجابات. تصوير: MART PRODUCTION / Pexels

لماذا يعلق العقل؟

كثيرًا ما يبدو الإفراط في التفكير وسيلة للبقاء مسيطرين. فإن فكّرنا في المشكلة طويلًا بما يكفي، نأمل أن نصل إلى اليقين، أو نتجنب الأخطاء، أو نمنع النتائج السيئة. لكن للأسف، كثير مما نفرط في التفكير فيه، مثل رأي الآخرين فينا أو ما يخبئه المستقبل، لا يمكن حسمه بالتفكير وحده.

وجدت عالمة النفس الراحلة سوزان نولن-هوكسيما، وهي من روّاد أبحاث الاجترار، أن الأشخاص الذين يميلون إلى الاجترار حين ينخفض مزاجهم أكثر عرضة لنوبات اكتئاب أطول وأشد. كما يميل الاجترار إلى تضخيم المشكلات وجعل الحلول أصعب منالًا، وقد يصعّب اتخاذ أي خطوة. ويرتبط الإفراط في التفكير أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالقلق ومشكلات النوم.

علامات على أنك قد تفرط في التفكير

  1. إعادة المحادثات أو الأحداث في ذهنك مرارًا وتكرارًا
  2. تخيّل أسوأ السيناريوهات باستمرار
  3. صعوبة في اتخاذ القرارات، حتى الصغيرة منها
  4. طرح أسئلة "ماذا لو" أو "لماذا" التي لا تجد إجابة أبدًا
  5. صعوبة في النوم لأن عقلك لا يتوقف
  6. الشعور بإرهاق ذهني دون أن تكون قد فعلت الكثير

طرق عملية لكسر الحلقة

1. لاحظه وسمِّه

الخطوة الأولى هي إدراك أنك تفرط في التفكير. فمجرد أن تقول لنفسك "أنا أجترّ مجددًا" أو "هذه حلقة قلق" يخلق مسافة صغيرة بينك وبين أفكارك.

2. خصّص وقتًا للقلق

تقوم هذه التقنية، المعروفة بـتأجيل القلق، على تخصيص 15 إلى 20 دقيقة ثابتة يوميًا للتفكير في همومك. وحين يظهر قلق في وقت آخر، دوّنه وأجّله إلى وقت القلق المخصص. وقد وجد تحليل تلوي أجرته أنيكا ديبل ويوس بروسخوت وبارت فيركاوِل عام 2023 أن هذه الطريقة البسيطة تؤدي إلى انخفاض صغير لكنه ملموس في القلق اليومي. ويجد كثيرون أنه بحلول موعد القلق، لم تعد المسألة تبدو ملحّة بالقدر نفسه.

3. انتقل من "لماذا" إلى "كيف"

تشير أبحاث عالم النفس إدوارد واتكنز إلى أن التفكير المجرد والتقييمي ("لماذا أفشل دائمًا؟") يميل إلى إبقاء الاجترار مستمرًا، بينما يكون التفكير الملموس والمحدد ("ماذا حدث بالضبط، وما الذي يمكنني فعله بعد ذلك؟") أكثر فائدة. جرّب تحويل أسئلة "لماذا" الكبيرة إلى خطوات عملية صغيرة.

4. أخرج الأفكار من رأسك

قد يجعل تدوين أفكارك التعامل معها أسهل. فحين تصبح على الورق، يمكنك النظر إليها بموضوعية أكبر، والتمييز بين ما يمكنك التحكم فيه وما لا يمكنك، واختيار خطوة صغيرة واحدة.

5. حرّك جسدك وأيقظ حواسك

يحدث الإفراط في التفكير داخل الرأس، لذا قد تساعد إعادة الانتباه إلى الجسد على قطعه. امشِ قليلًا، أو تمدّد، أو افعل شيئًا بيديك، أو لاحظ خمسة أشياء تراها وأربعة أشياء تسمعها. كما قد تساعد الأنشطة المستغرِقة مثل الطبخ أو البستنة أو حل الألغاز.

امرأة مبتسمة تمشي على ممر مشمس في حديقة تحيط بها الخضرة

تحريك الجسد يساعد على سحب الانتباه من حلقات التفكير. تصوير: Centre for Ageing Better / Pexels

6. تدرّب على تقبّل عدم اليقين

كثير من الإفراط في التفكير محاولة للشعور باليقين تجاه أمور غير يقينية بطبيعتها. فبدل محاولة حل كل "ماذا لو"، تدرّب على قول: "لا أعرف كيف ستنتهي الأمور، وأستطيع التعايش مع عدم المعرفة." ويمكن لممارسة اليقظة الذهنية أن تساعدك على ملاحظة الأفكار دون الحاجة إلى ملاحقة كل واحدة منها.

7. اتخذ قرارك وامضِ قدمًا

في الخيارات اليومية، امنح نفسك مهلة زمنية. اجمع المعلومات التي تحتاجها بشكل معقول، واتخذ أفضل قرار ممكن، وذكّر نفسك بأن "الجيد بما يكفي" كثيرًا ما يكون كافيًا.

متى تطلب الدعم؟

إن كان الإفراط في التفكير يستهلك جزءًا كبيرًا من يومك، أو يبقيك مستيقظًا ليلًا، أو يصاحبه قلق مستمر أو مزاج منخفض، فقد يكون الوقت قد حان للتحدث مع أخصائي نفسي. فهناك أساليب مثل العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج المعرفي السلوكي المركّز على الاجترار، والعلاج ما وراء المعرفي، طُوّرت خصيصًا لمساعدة الناس على الخروج من أنماط التفكير المتكرر.

كلمة أخيرة

عقلك يحاول حمايتك، حتى حين يعلق. ولست مضطرًا للفوز في كل جدال مع أفكارك أو إيجاد إجابة لكل سؤال. فأحيانًا يكون أنفع ما يمكنك فعله أن تخرج برفق من الحلقة وتعود إلى اللحظة الحاضرة، حيث تجري الحياة فعلًا.

المراجع: نولن-هوكسيما وويسكو وليوبوميرسكي (2008)، "إعادة التفكير في الاجترار"، مجلة Perspectives on Psychological Science؛ واتكنز (2008)، "التفكير المتكرر البنّاء وغير البنّاء"، مجلة Psychological Bulletin؛ ديبل وبروسخوت وفيركاوِل (2023)، "آثار تأجيل القلق على القلق اليومي: تحليل تلوي"، مجلة International Journal of Cognitive Therapy. هذا المقال لأغراض تثقيفية ولا يغني عن الرعاية المتخصصة.

هل تودّ أن نتحدّث في هذا الأمر؟

القراءة تساعد، لكن التغيير يبدأ عادةً بالحوار. احجز جلسة سرّية عبر الإنترنت، بالعربية أو الإنجليزية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط والتحليلات لتحسين تجربتك.