النمو الشخصي
لماذا نؤجّل؟ علم النفس الحقيقي للتسويف
نُشر في
التقرير مطلوب غدًا. تفتح الملف، وتحدّق في الصفحة الفارغة، ثم تجد نفسك، دون أن تنتبه تقريبًا، تتفقد هاتفك أو ترتّب مكتبك أو تقرأ الأخبار. وبعد ساعات، تبقى الصفحة فارغة ويكبر الشعور بالذنب. إن بدا لك هذا مألوفًا، فأنت لست وحدك أبدًا.
الأمر لا يتعلق بالكسل
يرى كثيرون أن التسويف عيب في الشخصية: نقص في الانضباط أو الإرادة أو الدافع. لكن الأبحاث النفسية تروي قصة مختلفة. فالشخص الكسول لا يهتم إن أُنجزت المهمة أم لا، أما المسوّف فعادةً يهتم كثيرًا، ولهذا تحديدًا يشعر بالسوء حين يؤجّل.
يعرّف علماء النفس التسويف بأنه تأجيل طوعي لعمل ننوي القيام به، رغم توقعنا أن التأجيل سيضرّنا. أي أننا نعرف أن التأجيل سيكلّفنا، ونفعله على أي حال. وهذا التناقض هو مفتاح فهمه.
ما مدى شيوعه؟
التسويف منتشر على نطاق واسع جدًا. ففي مراجعة بحثية كبرى نُشرت عام 2007، أورد عالم النفس بيرس ستيل تقديرات بأن ما بين 80% و95% من طلاب الجامعات يسوّفون، كما تشير أبحاث عالم النفس جوزيف فيراري إلى أن نحو شخص من كل خمسة بالغين يُعدّ مسوّفًا مزمنًا، يؤجّل في مجالات كثيرة من حياته، من العمل إلى الصحة إلى الشؤون المالية.
السبب الحقيقي: إدارة المشاعر
تصف عالمة النفس فوشيا سيرويس وعالم النفس تيموثي بيشيل، وهما من أبرز الباحثين في هذا المجال، التسويف بأنه مشكلة في تنظيم المشاعر لا في إدارة الوقت. فحين تجعلنا مهمة ما نشعر بالملل أو القلق أو الحيرة أو عدم الثقة أو الإرهاق، يمنحنا تجنّبها راحة فورية. ويعطي دماغنا الأولوية للشعور بتحسن الآن على حساب احتياجات ذواتنا المستقبلية.
المشكلة أن هذه الراحة مؤقتة. فالمهمة ما زالت موجودة، وأصبحت الآن مصحوبة بمزيد من الضغط والذنب ووقت أقل. وفي المرة التالية التي نواجهها، تكون المشاعر السلبية أقوى، فيصبح تجنّبها أكثر إغراءً. وهكذا تتشكل حلقة يصعب كسرها.

المشتتات تمنح راحة سريعة من المهام غير المريحة. تصوير: Vlada Karpovich / Pexels
مشاعر شائعة وراء التسويف
- الخوف من الفشل: "ماذا لو أنجزتها ولم تكن جيدة بما يكفي؟"
- الكمالية: انتظار اللحظة أو المزاج أو الفكرة المثالية قبل البدء.
- الإرهاق: المهمة تبدو ضخمة لدرجة أنك لا تعرف من أين تبدأ.
- الملل أو الإحباط: المهمة تبدو مملة أو بلا معنى.
- الغموض: لست متأكدًا مما يجب فعله بالضبط.
- الاستياء: تشعر بأنك مُجبر على مهمة لم تخترها.
ملاحظة الشعور الذي يدفعك إلى التأجيل قد تجعل التعامل معه أسهل بكثير.
طرق مدعومة بالأبحاث للبدء
1. اجعل الخطوة الأولى صغيرة جدًا
بدل "اكتب التقرير"، جرّب "افتح الملف واكتب جملة واحدة". فالخطوات الصغيرة تخفّض الحاجز العاطفي أمام البدء، وبمجرد أن تبدأ يصبح الاستمرار أسهل غالبًا.
2. سمِّ الشعور
اسأل نفسك: ما الذي أشعر به تجاه هذه المهمة الآن؟ فالاعتراف بأنك "قلق من ألا تكون جيدة" يسلب الشعور جزءًا من قوته، ويذكّرك بأن هذا الانزعاج مؤقت ويمكن التعامل معه.
3. استخدم خطط "إذا... فإن..."
تُظهر أبحاث عالم النفس بيتر غولفيتزر حول نوايا التنفيذ أن الخطط المحددة تنجح أكثر من الأهداف الغامضة. مثلًا: "إذا كانت الساعة التاسعة صباحًا، فسأعمل على العرض التقديمي لمدة 25 دقيقة." فاتخاذ القرار مسبقًا يغنيك عن الاعتماد على الدافع في اللحظة نفسها.
4. اعمل على فترات قصيرة مركّزة
اضبط مؤقتًا لمدة 20 إلى 25 دقيقة، واعمل على مهمة واحدة، ثم خذ استراحة قصيرة. فمعرفة أن هناك نهاية قريبة تجعل المهام الصعبة أسهل احتمالًا.

تقسيم المهام إلى خطوات صغيرة وواضحة يجعل البدء أسهل. تصوير: Breakingpic / Pexels
5. صعّب الوصول إلى المشتتات
اجعل الهروب المغري أصعب والمهمة أسهل. ضع هاتفك في غرفة أخرى، وأغلق علامات التبويب غير الضرورية، واجعل كل ما تحتاجه للمهمة جاهزًا وأمام عينيك.
6. تواصل مع ذاتك المستقبلية
تخيّل نفسك غدًا، أو الأسبوع القادم، أو عند الموعد النهائي. كيف ستشعر تلك النسخة منك إن بدأت اليوم؟ تشير الأبحاث إلى أن الشعور بارتباط أكبر بذواتنا المستقبلية يساعدنا على اتخاذ قرارات تفيدها.
7. سامح نفسك
قد تكون هذه النصيحة الأكثر إثارة للدهشة. ففي دراسة أجراها مايكل وول وتيموثي بيشيل وشانون بينيت، تبيّن أن الطلاب الذين سامحوا أنفسهم على التسويف قبل امتحانهم الأول سوّفوا أقل عند الاستعداد للامتحان التالي. فالنقد الذاتي يضيف مشاعر سلبية تغذّي حلقة التجنب، أما مسامحة الذات فتساعدك على المضي قدمًا.
حين يشير التسويف إلى ما هو أعمق
أحيانًا يرتبط التسويف المزمن بصعوبات أعمق مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو الكمالية. فإن كان التأجيل يؤثر بشكل كبير في عملك أو دراستك أو علاقاتك أو صحتك النفسية، ولم تكفِ استراتيجيات المساعدة الذاتية، فقد يساعدك التحدث مع أخصائي نفسي على فهم ما يكمن وراءه وبناء أنماط جديدة.
كلمة أخيرة
التسويف ليس دليلًا على أنك كسول أو عاجز، بل محاولة إنسانية جدًا لحماية نفسك من مشاعر غير مريحة. والطريق إلى الأمام ليس مزيدًا من الضغط أو القسوة على نفسك، بل الفهم والخطوات الصغيرة واللطف بالذات. ابدأ بخطوة صغيرة واحدة اليوم، وستشكرك ذاتك المستقبلية.
المراجع: ستيل (2007)، "طبيعة التسويف: مراجعة تحليلية ونظرية"، مجلة Psychological Bulletin؛ سيرويس وبيشيل (2013)، "التسويف وأولوية تنظيم المزاج قصير المدى"، مجلة Social and Personality Psychology Compass؛ وول وبيشيل وبينيت (2010)، "سامحت نفسي، والآن أستطيع الدراسة"، مجلة Personality and Individual Differences؛ أبحاث بيتر غولفيتزر حول نوايا التنفيذ. هذا المقال لأغراض تثقيفية ولا يغني عن الرعاية المتخصصة.
هل تودّ أن نتحدّث في هذا الأمر؟
القراءة تساعد، لكن التغيير يبدأ عادةً بالحوار. احجز جلسة سرّية عبر الإنترنت، بالعربية أو الإنجليزية.