انتقل إلى المحتوى
كمي مكارم

تقدير الذات

تهدئة الناقد الداخلي: علم نفس التعاطف مع الذات

نُشر في

تهدئة الناقد الداخلي: علم نفس التعاطف مع الذات

ترتكب خطأً صغيرًا في العمل، فيقول لك صوت في رأسك فورًا: "كم أنت مهمل! لا بد أن الجميع يرونك غير كفء." هل كنت ستقول هذا لصديق؟ على الأرجح لا. ومع ذلك يحدّث كثيرون منا أنفسهم بهذه الطريقة كل يوم.

الصوت الذي نادرًا ما نشكك فيه

لدى معظم الناس ناقد داخلي؛ ذلك الصوت الذي يحكم ويقارن ويوبّخ. ويعتقد كثيرون أن هذا الصوت يحافظ على انضباطهم، وأنهم إن توقفوا عن القسوة على أنفسهم فسيصبحون كسالى أو مهملين. لكن الأبحاث النفسية تشير إلى العكس؛ فالنقد الذاتي القاسي يرتبط بقوة بالقلق والاكتئاب والكمالية والخوف من الفشل، وغالبًا ما يجعلنا أقل رغبة في المحاولة من جديد بعد التعثر.

والبديل ليس أن تعفي نفسك من المسؤولية، بل شيء يسميه علماء النفس التعاطف مع الذات.

ما المقصود بالتعاطف مع الذات؟

تصف عالمة النفس كريستين نيف، وهي من أبرز الباحثين في هذا المجال، التعاطف مع الذات بأنه معاملة نفسك باللطف والتفهم نفسيهما اللذين تقدمهما لصديق عزيز يمر بوقت صعب. وتحدد أبحاثها ثلاثة مكونات أساسية:

  1. اللطف بالذات بدل الحكم عليها: الاستجابة لألمك وأخطائك بدفء بدل النقد القاسي.
  2. الإنسانية المشتركة بدل العزلة: تذكُّر أن المعاناة وعدم الكمال جزء من التجربة الإنسانية، لا علامة على أن فيك خللًا فريدًا.
  3. اليقظة الذهنية بدل الاستغراق: ملاحظة الأفكار والمشاعر المؤلمة بوضوح، دون تجاهلها أو الانجراف معها.

امرأة ترتدي كنزة صوفية تعانق نفسها بملامح هادئة

التعاطف مع الذات يعني أن تمنح نفسك الرعاية التي تمنحها لصديق. تصوير: Arina Krasnikova / Pexels

خرافات شائعة عن التعاطف مع الذات

"إنه مجرد شفقة على النفس."

الشفقة على النفس تشدّنا إلى الداخل: لماذا يحدث هذا لي دائمًا؟ أما التعاطف مع الذات فيفعل العكس؛ إذ يذكّرنا بأن الجميع يعانون، فيربطنا بالآخرين ويساعدنا على رؤية وضعنا بمنظور أوسع.

"سيجعلني كسولًا."

تشير الدراسات إلى أن الأشخاص المتعاطفين مع ذواتهم أكثر ميلًا لتحمّل مسؤولية أخطائهم ومحاولة التحسن. فحين لا يبدو الفشل تهديدًا لقيمتك كلها، يصبح من الأسهل أن تنظر إليه بصدق وتتعلم منه.

"إنه نفسه تقدير الذات."

كثيرًا ما يعتمد تقدير الذات على النجاح أو على الشعور بالتفوق على الآخرين، فيرتفع وينخفض مع كل إنجاز أو رفض. أما التعاطف مع الذات فيكون متاحًا تحديدًا حين تسوء الأمور، ما يجعله أساسًا أكثر ثباتًا.

لماذا ينجح؟

حين ننتقد أنفسنا بقسوة، قد يتفاعل الدماغ كما لو كان تحت الهجوم، فينشّط استجابة التهديد في الجسم. أما اللطف بالذات فيساعد على تنشيط نظام أهدأ مرتبط بمشاعر الأمان والتواصل. وقد وجدت المراجعات البحثية باستمرار أن ارتفاع التعاطف مع الذات يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب والضغط، وبمرونة عاطفية ورضا عن الحياة أكبر.

كيف تمارس التعاطف مع الذات؟

1. انتبه لصوتك الداخلي

الخطوة الأولى هي الوعي. حين تشعر بالسوء تجاه نفسك، توقف واستمع لما تقوله في داخلك. هل كنت ستتحدث بهذه الطريقة مع شخص تحبه؟

2. حدّث نفسك كما تحدّث صديقًا

تخيّل أن صديقًا مقربًا جاءك بالمشكلة نفسها. ماذا كنت ستقول له؟ اكتب ذلك ثم اقرأه لنفسك. ستجد غالبًا أنك تعرف بالفعل كيف تكون لطيفًا، لكنك لم تعتد توجيه هذا اللطف إلى نفسك.

3. خذ استراحة تعاطف مع الذات

تقترح نيف تمرينًا قصيرًا للحظات الصعبة: ضع يدك على قلبك وقل لنفسك ثلاث عبارات، واحدة لكل مكوّن: "هذه لحظة معاناة." "المعاناة جزء من الحياة، ولست وحدي." "ليتني أكون لطيفًا مع نفسي الآن." وعدّل الكلمات لتبدو طبيعية بالنسبة لك.

امرأة مغمضة العينين تعانق نفسها برفق في الهواء الطلق تحت ضوء ناعم

إيماءات اللطف الصغيرة قد تهدّئ استجابة التهديد في الجسم. تصوير: Elina Fairytale / Pexels

4. استخدم اللمسة الداعمة

قد يبدو الأمر غريبًا في البداية، لكن إيماءات مثل وضع يدك على صدرك أو معانقة نفسك برفق يمكن أن تهدّئ جهازك العصبي، تمامًا كما يحدث حين يواسيك شخص آخر.

5. انظر إلى الأخطاء كفرص للتعلم

بدل أن تسأل "ما خطبي؟"، جرّب أن تسأل: "ماذا أتعلم من هذا؟" و"ما الذي أحتاجه الآن؟" هذه الأسئلة تنقلك من العقاب إلى النمو.

بداية لطيفة

التعاطف مع الذات مهارة وليس سمة شخصية، ومثل أي مهارة يقوى بالممارسة. قد تبدو الكلمات اللطيفة لنفسك غريبة أو حتى غير مريحة في البداية، وهذا طبيعي. ففي كل مرة تختار فيها التفهم بدل القسوة، تبني علاقة أكثر صحة مع الشخص الذي سترافقه طوال حياتك: نفسك.

وإن شعرت أن ناقدك الداخلي طاغٍ، أو أنه مرتبط بأنماط أعمق من القلق أو الاكتئاب أو صدمات سابقة، فإن العمل مع أخصائي نفسي قد يساعدك على فهم مصدر هذا الصوت وتعلّم طريقة مختلفة للاستجابة له.

المراجع: أبحاث كريستين نيف حول المكونات الثلاثة للتعاطف مع الذات؛ ماكبيث وغوملي (2012)، تحليل تلوي حول التعاطف مع الذات والاضطرابات النفسية؛ بول جيلبرت، العلاج المركّز على التعاطف ونظاما التهديد والتهدئة. هذا المقال لأغراض تثقيفية ولا يغني عن الرعاية المتخصصة.

هل تودّ أن نتحدّث في هذا الأمر؟

القراءة تساعد، لكن التغيير يبدأ عادةً بالحوار. احجز جلسة سرّية عبر الإنترنت، بالعربية أو الإنجليزية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط والتحليلات لتحسين تجربتك.