انتقل إلى المحتوى
كمي مكارم

الصحة النفسية

لماذا لم أعد أستمتع بأي شيء؟ فهم انعدام التلذذ (الأنهيدونيا)

نُشر في

لماذا لم أعد أستمتع بأي شيء؟ فهم انعدام التلذذ (الأنهيدونيا)

كنت تحب قهوة نهاية الأسبوع مع الأصدقاء، أو مسلسلك المفضل، أو تلك المشية الطويلة وقت الغروب. أما الآن فتؤدي الأمور بشكل آلي ولا تشعر… بالكثير. لست حزينًا بالضرورة، لكن الأشياء تبدو باهتة ورمادية وبعيدة. إن سبق أن كتبت في محرك البحث "لماذا لم أعد أستمتع بأي شيء؟"، فأنت لست وحدك، ولهذه التجربة اسم.

ما انعدام التلذذ؟

انعدام التلذذ أو الأنهيدونيا (من اليونانية بمعنى "بلا متعة") هو تراجع القدرة على الشعور بالمتعة أو الاهتمام بأشياء تكون ممتعة عادةً. وكثيرًا ما يصفه الناس بالخدر العاطفي، أو الشعور بـ"الفراغ"، أو العيش في حياة بالأبيض والأسود.

وهو أحد العَرَضين الأساسيين للاكتئاب الشديد في الدليل التشخيصي DSM-5 الذي يعتمده مختصو الصحة النفسية، إلى جانب المزاج المنخفض المستمر. وتشير الأبحاث إلى أنه يصيب نسبة كبيرة من المصابين بالاكتئاب؛ إذ وجدت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة PLOS ONE أن 61.5% من مرضى الاكتئاب أفادوا بمعاناتهم منه، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن النسبة قد تتجاوز 80%.

وجهان للمتعة: الرغبة والاستمتاع

تُظهر أبحاث عالم الأعصاب كينت بيريدج أن للمتعة أكثر من مكوّن. ولهذا يميّز علماء النفس اليوم غالبًا بين شكلين من انعدام التلذذ:

  1. انعدام التلذذ الاستباقي ("الرغبة"): فقدان الدافع أو الحماس أو الاهتمام بفعل الأشياء. فلا تتطلع إلى الخطط، ويبدو البدء بأي شيء مرهقًا.
  2. انعدام التلذذ الاستهلاكي ("الاستمتاع"): عدم الاستمتاع بالأشياء في لحظتها، حتى حين تفعلها. فيبدو الطعام بلا طعم، والنكتة غير مضحكة، والعناق بعيدًا.

ويجد كثير ممن يعانون انعدام التلذذ أن جانب "الرغبة" هو الأكثر تأثرًا. وهذا أمر مهم، لأنه يعني أنك قد تستمتع بالشيء بعد أن تبدأه، حتى لو لم تكن راغبًا فيه مسبقًا.

امرأة تجلس على أريكة داخل المنزل ممسكة رأسها بملامح متعبة

قد يجعل انعدام التلذذ الأنشطة المحبوبة تبدو باهتة ومرهقة. تصوير: Liza Summer / Pexels

علامات شائعة

  1. فقدان الاهتمام بالهوايات أو الموسيقى أو الطعام أو أنشطة كنت تحبها
  2. الانسحاب من الأصدقاء أو الشعور بالانفصال أثناء اللقاءات الاجتماعية
  3. الشعور بـ"التبلّد" أو الخدر العاطفي بدل الحزن
  4. ضعف الدافع للبدء بأي شيء أو التخطيط له
  5. تراجع الاهتمام بالمودة أو العلاقة الحميمة
  6. الشعور بأن الأخبار السارة لا تترك أثرًا حقيقيًا

ما أسبابه؟

يرتبط انعدام التلذذ في الغالب بالاكتئاب، لكنه قد يظهر أيضًا مع الضغط المزمن والاحتراق النفسي، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة، وتعاطي المواد، وبعض الأمراض الجسدية، وأدوية معينة. وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بـنظام المكافأة في الدماغ، أي الشبكة التي تساعدنا على ترقّب التجارب المجزية والسعي إليها والاستمتاع بها، والتي يؤدي فيها الناقل الكيميائي الدوبامين دورًا مهمًا.

وقد يُضعف الضغط المطوّل هذا النظام، وكذلك الانسحاب؛ فحين نتوقف عن فعل الأشياء لأنها لا تبدو مجزية، تقل فرصنا في الشعور بالمكافأة، فيتعمق التبلّد. كما ربطت الأبحاث انعدام التلذذ باكتئاب أشد، واستجابة أبطأ للعلاج، وخطر أعلى للانتكاس، ولهذا يستحق الاهتمام بدل اعتباره "مجرد مرحلة وستمر".

طرق تساعد على عودة المتعة

1. افعل أولًا، واشعر لاحقًا

يقوم التنشيط السلوكي، وهو من أكثر أساليب علاج الاكتئاب دراسةً، على فكرة بسيطة: بدل انتظار الشعور بالدافع، تجدول أنشطة صغيرة ذات معنى وتنفذها على أي حال. ومع الوقت، قد يعيد الفعلُ إشعال الاهتمام. وفي تجربة شهيرة عام 2006 قادتها عالمة النفس سونا ديميدجيان، كان أداء التنشيط السلوكي مماثلًا لأداء مضادات الاكتئاب لدى كثير من المصابين باكتئاب أشد.

2. ابدأ بخطوات صغيرة جدًا

اختر خطوات صغيرة يمكن تحقيقها: استمع إلى أغنية واحدة، أو اخرج خمس دقائق، أو أرسل رسالة لصديق واحد. فالانتصارات الصغيرة أسهل في البدء، وتمنح نظام المكافأة في دماغك شيئًا يعمل عليه.

3. تدرّب على التذوّق

التذوّق يعني الانتباه المتعمد للحظات الإيجابية مهما كانت صغيرة. لاحظ دفء الشاي، أو أشعة الشمس على وجهك، أو رسالة لطيفة. وتشير أبحاث عالم النفس فريد براينت إلى أن التمهل الواعي عند التجارب الجيدة قد يقوّي المشاعر الإيجابية مع الوقت.

امرأة تسترخي مع كوب شاي وكتاب بجوار نافذة مضيئة

تذوّق اللحظات الصغيرة قد يوقظ الاستمتاع برفق. تصوير: Letícia Alvares / Pexels

4. سجّل مزاجك وأنشطتك

احتفظ بمفكرة بسيطة لما فعلته، وقيّم شعورك من 0 إلى 10. ويكتشف كثيرون أن بعض الأنشطة ترفع مزاجهم أكثر قليلًا مما توقعوا، وهذه الفروق الصغيرة تدلّك من أين تبدأ.

5. اعتنِ بالأساسيات

النوم المنتظم، وضوء النهار، والحركة، والطعام المغذي، كلها تدعم أنظمة الدماغ المرتبطة بالدافع والمتعة. وقد ثبت أن النشاط البدني بالذات يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب.

6. ابقَ على تواصل حتى لو بدا الأمر باهتًا

قد لا يبدو التواصل الاجتماعي مجزيًا في البداية، لكن العزلة تميل إلى تفاقم انعدام التلذذ. والتواصل الخفيف، كمشية مع صديق أو مكالمة قصيرة، يساعد على إبقاء الباب مفتوحًا.

7. كن صبورًا ولطيفًا مع نفسك

كثيرًا ما تعود المتعة تدريجيًا، وأحيانًا تظهر أولًا كومضات قصيرة من الاهتمام. لاحظها، وتجنّب الحكم على نفسك لأنك لم تعد "إلى طبيعتك" بعد.

متى تطلب المساعدة المتخصصة؟

انعدام التلذذ عَرَض يستحق أن يؤخذ بجدية. فإن استمر أكثر من أسبوعين، أو صاحبه مزاج منخفض أو تغيّر في النوم أو الشهية أو شعور باليأس، أو جعل الحياة اليومية صعبة، فتحدّث مع أخصائي نفسي أو طبيب نفسي أو طبيب. فهناك علاجات فعالة، منها العلاج النفسي، والأدوية عند الحاجة.

وإن راودتك يومًا أفكار بإنهاء حياتك أو إيذاء نفسك، فتواصل فورًا مع مختص في الصحة النفسية أو خدمات الطوارئ المحلية. أنت تستحق الدعم، ولست مضطرًا لمواجهة هذا وحدك.

كلمة أخيرة

قد يكون فقدان البهجة مخيفًا، خاصة حين لا تستطيع تفسير سببه. لكن انعدام التلذذ ليس حالة دائمة، ولا دليلًا على خلل في شخصك. فبالفهم والخطوات الصغيرة والدعم المناسب، يمكن أن تعود الألوان تدريجيًا إلى الأشياء التي تحبها.

المراجع: الجمعية الأمريكية للطب النفسي (2013)، الدليل التشخيصي DSM-5؛ لي وآخرون (2025)، "انتشار انعدام التلذذ وعبؤه لدى مرضى الاكتئاب الشديد في كوريا الجنوبية"، مجلة PLOS ONE؛ أبحاث كينت بيريدج وتيري روبنسون حول "الرغبة" و"الاستمتاع"؛ ديميدجيان وآخرون (2006)، تجربة عشوائية للتنشيط السلوكي والعلاج المعرفي ومضادات الاكتئاب، مجلة Journal of Consulting and Clinical Psychology؛ براينت وفيروف (2007)، كتاب "التذوّق: نموذج جديد للتجربة الإيجابية". هذا المقال لأغراض تثقيفية ولا يغني عن التشخيص أو العلاج المتخصص.

هل تودّ أن نتحدّث في هذا الأمر؟

القراءة تساعد، لكن التغيير يبدأ عادةً بالحوار. احجز جلسة سرّية عبر الإنترنت، بالعربية أو الإنجليزية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط والتحليلات لتحسين تجربتك.